الساعة



يتجاهل عقلنا بعض الذكريات عمدا لانها مؤلمة وصادمة بالنسبة لنا و قد لا نستطع العيش بصورة طبيعية و نحن نتذكرها و نسترجعها كل لحظة ... هكذا يعمل عقلنا احيانا يحجب بعض الاحادث فتذهب طي النسيان و مع مرور الوقت قد لا نعرف انها وقعت بالفعل لكنها موجودة هناك تنتظر اللحظة المناسبة لتطفو من جديد على السطح لتعود الينا او بالاحري تعيدنا اليها ..... 
- بني لا اظن انه الوقت المناسب للاستماع الى الاغاني , اغلق هذا الهاتف و اظهر بعض الاحترام , لسنا ذاهبين في نزهة اننا فى طريقنا لحضور جنازة جدك ...
-ابي انت تعرف جيدا انني لم احب هذا الرجل مطلقا و لست حزينا على موته و يكفيني اننى محتجز داخل سيارة تسير وسط الصحراء منذ ساعات لاحضر جنازته لذا دعنى على الاقل اشغل وقتي بشيء احبه ...
- انا ايضا لم اكن له سوي الكراهية لكن هذا من اجل والدتك التي كان علينا مرافقتها منذ البداية بدلا من تركها لتسافر وحدها لتري والدها المريض لو كنت اعلم انه سيموت قريبا حتما كنت سافرنا معها
محمد: تحدث عن نفسك فقط فانا لم اكن اقبل ابدا بقضاء اسبوعين قرب هذا الرجل .....
بعد دقائق من الجدال بين محمد و والده اخيرا وضعت "ميار" الكتاب جانبا وقررت ان تشارك فى الحديث الدائر حول جدها الميت  ....
ميار: ابي ما الذى فعله جدى و جعلك لا تكن له سوى الكراهية كما قلت ؟
- ميار صغيرتي انا اعذرك فانت لم تقابلي جدك هذا سوى مرة واحدة فقط حدثت قبل 15 عام فكل مرة كانت امك تسافر الى بيت اهلها كنت ارفض ان تأخذك معها و كذلك شقيقك لكنه لم يستمع الي ابدا وكان يرافقها رغم كراهيته لجده الا انه لم يكن ابدا ليفوت على نفسه متعة اللعب مع الاطفال فى المزرعة هناك من اجل شخص يكرهه اما انت فأغلب الظن انك لم تكوني تحبين المزرعة لذا كنت تقبلين بالبقاء معي ..
-هذا الكلام لايصلح كرد علس سؤالي, طلبت وبكل وضوح ان اعرف السبب وراء كل هذه الكراهية فليخبرنى احدكم و الان !!
الوالد : لا اعرف فى البداية لم اكن اكرهه  فهو عمي الرجل الطيب الذى عرفته منذ الصغر وكان والدي يحبه كثيرا و كذلك احبه الجميع , لكن في السنوات الاخيرة تغير كثيرا فبعد ان كان فاحش الثراء بدأ يخسر كل شيء حتى ان امك كانت ترسل له المال شهريا  كي لا يضطر لبيع المزرعة و لم نعرف اين ذهبت كل هذه الثروة , ترددت اشاعات بين اهل القرية و العاملين فى المزرعة انه فقد عقله "قطع الوالد حديثه واخذ يضحك بصوت عال ثم تابع قائلا...." كانوا جميعن يعتقدون بان عمي مصاص دماء .....
ميار: لا اصدق هذا امازالت هذه العقليات موجودة حتى يومنا هذا , اخشى ان يكون اهل القرية قد قاموا بتكتيف جدي و وضع الثوم حوله اثناء دفنه "التفتت ميار الي شقيقها و سألته ان يذكر سبب كرهه للجد ...."
- لا اعرف سببا محددا يا ميار لكنه رجل غريب ومخيف يعتكف دائما فى غرفته ذات الرائحة الكريهة و التى تحتوي على اشياء اكثر غرابة من صاحبها كذلك كانت هناك عباءته الحمراء المصنوعة من الحرير و الساعة التى لم تفارقه ابدا كنت كلما رأيته مرتديا تلك العباءة و معلقا الساعة حول رقبته اصاب بالرعب , اذكر انني اقتحمت غرفته فجأة فوجدته يمسك ببيضة في يده و يكتب عليها شيئا ما و هو يردد اسم شخص ما و عندما احس بوجودى نظر الي خفت كثيرا وقتها وخشيت ان يعنفنى لتعديه على حرمة غرفته إلا انه و على عكس ما توقعت ابتسم لى و امرنى ان اقترب منه ففعلت عندها اعطانى البيضة وقال لي ان القها فى النار سالته لما علي فعل هذا فقال لي نفذ ما طلبته دون اسئلة لان ما ستفعله الان سيعود على بالخير يوما ما , اطعته والقيت البيضة في و عاء معدنى كان قد اشعل فيه نار و رأيت البيضة وهى تحترق ....
ميار: مالذى كتب على البيضة ؟
محمد: لا اذكر جيدا لكن اظنها كانت احرف منفصلة لا تعنى اي شيء
ميار: اسم من ردده جدك على البيضة ؟
محمد: شقيقه , والدك يا ابي !!
الاب: غريبة !! ما الذى يعنيه هذا ؟
ميار : هل ترى ان هذا سبب كاف كى تكره جدنا ؟
محمد : لا لكنه كان شخصا مخيفا ولا تسألينى كيف و لماذا انه مجرد شعور كان يراودنى كلما نظرت اليه و لم اكلف نفسي عناء معرفة السبب
ميار: ماذا عن جدتي ؟ هل هي مخيفة ايضا ؟
محمد : كم مرة قلت لك الا تقولي عنها جدتى انها زوجة جدنا يا ميار ورغم هذا هى امراة طيبة و متدينة تهتم بامور المزرعة جيدا و يحبها الجميع هناك سوف تتعرفين عليها بنفسك بعد ان نصل وربما تأخذك في جولة الى حظائر حيواناتها كما كانت تفعل كل مرة ازورهم فيها هذه اذا تبقى هناك اي حيوانات.
اخيرا و بعد ساعات وصلت السيارة الي نهاية رحلتها حيث المزرعة الملك الوحيد الذى لم يخسره الجد كانت المزرعة كبيرة مترامية الاطراف و رغم هذا كان هناك مئاد الامتار من الاسلاك الشائكة تحيط بيها لتفصلها عن بقية اراضى القرية , يتوسط المزرعة بيت كبير حديث البناء لكن الطابع الريفي يغلب عليه و يبدو هذا واضحا فى الوانه الزاهية والمتنافرة و النقوش البارزة المصنوعة من الجص و امام البوابة العملاقة للبيت التى ترتفع عن الارض قليلا مساحة صغيرة موضوع بها مقاعد خشبية قديمة الطراز لطالما اعتادت زوجة الجد الجلوس عليها لتراقب عمال المزرعة , و على بعد امتار كانت تقع الحظيرة التي لم يتبقى بها سوى عدد قليل من الطيور و حصان و مجموعة من الكلاب التي و على عكس كل شيء ازداد عددها ....... اصاب الحزن محمد و والده بسبب الحال التى آلت اليه المزرعة فى الآونة الاخيرة  و وقفا يتأملا المكان لدقائق قبل ان دخول البيت اما ميار فلم تهتم بامر المزرعة مطلقا و اسرعت الى البيت معتقدة انها لا تحمل حقا اي ذكريات عن هذا المكان ..... لكنها مخطئة
.
.
.
.
يتبع ....


ليست هناك تعليقات